أخبار المركزالبيانات الرسمية للمركزالساحة اللبنانيةمقابلات خاصة

دراسة بسيطة لمفردات إعلان الاتفاق بين لبنان وإسرائيل

ومن خلال التعمق ببنود هذا الإعلان ودراسة مفرداته تبعا للغة الدبلوماسية، ومن دون الخوض في طبيعة الممارسات التي تقوم بها إسرائيل بعد كل اتفاق، يقرأ المتخصصون المحايدون في هذا الإعلان ما يلي:

أولا: ثبت الأمريكي الداعم لكل الانتهاكات الإسرائيلية موقفه راعيا حياديا لهذه المفاوضات بين لبنان وإسرائيل مع العلم بأن كل السلاح الذي دمرت به إسرائيل لبنان هو سلاح أميركي كما أن عمليات القصف كانت بتنسيق أمريكي إسرائيلي، ولا يخفى على متابع – فضلا عن الدارس ناهيك بالسياسي – أن جيش الاحتلال الإسرائيلي وقواته تتبع مباشرة للقوات الوسطى الأميركية؛ فكيف يكون العدو حكما وحياديا…؟!

ثانيا: أثبت لبنان الرسمي أنه مع كل التوجهات الأميركية التي كان لها الفضل الأكبر في دعم العدو الصهيوني وأهدافه وأطماعه وعدوانه وجرائمه… وهذا يؤكد أن لبنان الرسمي الذي لم يدافع عن لبنان منذ العام 1948 لا يزال يتبع الأجندة نفسها التي تهمش الجنوب والجنوبيين وتتركهم لمصيرهم أما أطماع العدو الإسرائيلي التي باتت لا تخفى على أحد. 

ثالثا: بنود هذا الاتفاق تكرس سردية أن حزب الله اللبناني هو المعتدي على إسرائيل، وكأن إسرائيل لا تحتل أرضا لبنانيه ولا تتوغل في الأراضي اللبنانيه ولا تجرف القرى اللبنانيه ولا تعتدي على الشعب اللبناني ولا تقتل أبناء هذا الشعب من مدنيين ومسعفين وأطباء وأساتذة وطلاب… منذ العام 1948، أي من قبل أن يكون حزب الله قد ولد بعقود…

رابعا: لم يأت الإعلان على الاحتلال الإسرائيلي فضلا عن انسحاب العدو الإسرائيلي – المدعوم من أميركا – من لبنان الذ تحتل إسرائيل قرى جنوبه وتجرفها… لكن بحسب بيان الخارجية الأمريكية، فإن “وقف إطلاق النار مشروط بالوقف الكامل لإطلاق النار من جانب جماعة حزب الله المدعومة من إيران، ‌‌‌‌وإبعاد جميع عناصرها من قطاع جنوب الليطاني”؛ وكان الأجدر بالوفد اللبناني أن يبدأ بضرورة انسحاب  العدو الإسرائيلي المتوحش من لبنان بدل تجريمه لحزب لبناني تلقى دعما من إيران ليصد العدوان الإسرائيلي المدعوم من أميركا راعية هذا الاتفاق المتميز باللامنطقية التي ارتضاها لبنان الرسمي؛ فالمنطق الطبيعي يقول: لو أن إسرائيل لم تعتد على لبنان لما اضطر اللبنانيون المهمشون من إطلاق مقاومتهم الشرعية – بكل الأعراف والقوانين الدولية – والاستعانة بمن يقدم لهم العون والمدد والسلاح الذي يواجهون به الاحتلال وداعمه الأميركي.

خامسا: عند الاطلاع على ما أعلنته الخارجية الأميركية حول توصل لبنان وإسرائيل إلى وقف لإطلاق النار تُفاجأ علميا باللغة الدبلوماسية التي سيطرت على هذا الإعلان والتي تُثْبِتُ بحسب الخبراء واحدا من أمرين:

أحدهما: إمَّا أنَّ أن الوفد اللبناني متآمر على وطنه وأبناء وطنه وأرضه وكيانه ودستوره

ثانيهما: وإما أن هذا الوفد إنما ذهب لتُلتقط له صورة تذكارية تاريخية أراد العدو الصهيوني – الأميركي الإسرائيلي – من خلالها أن يثبت الإرادة الإسرائيلية ومشروعها بموافقة لبنانبة؛ راضية أو مكرهة؛ ورعاية أميركية.

فماذا يعني بيان الخاجية الأميركية الذي كان بشير صدق وفرج لبعض الساسة اللبنانيين ساعة سَطَّر فيه الأميركيون:

إن وقف إطلاق النار مشروط بوقف كامل لإطلاق النار من جانب (حزب الله)، وإجلاء جميع عناصر الحزب من المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني.

    بدراسة دقيقة للغة الدبلوماسية التي يتعلمها المبتدئون في مجال العلوم السياسية ندرك أن الهدف من هذا الإعلان:

أولا: حق إسرائيل في احتلال لبنان وتدمير أرضه وقتل شعبه؛ وهذا ليس خيالا ولا تخيلا، وإنما نستطيع أن ندرك هذه الحقيقة ساعة نتتبع نص البيان الكامل الذي لم يعرج على كل عمليات الإجرام والتهجير والتجريف وهدم القرى عن بكرة أبيها، هذا إلى جانب المجازر اليومية التي لا تتوقف وتوسيع عمليات الاحتلال وتدمير كل المعالم الأثرية التي لا تهدف إلا إلى تغيير الصورة التاريخية للبنان الذي تعلن إسرائيل عبر قياداتها ووزرائها ودارسيها وباحثيها وناشطيها عزمه على احتلاله إذ هو جزء من دولة إسرائيل الكبرى الحلم.

ثانيا: عندما يعلن الاتفاق أن وقف إطلاق النار مشروط بوقف كامل لإطلاق النار من جانب (حزب الله)؛ فهذا يعني أن إسرائيل ليست معنية بوقف إطلاق النار، وإنما المعني الوحيد بذلك هو حزب الله اللبناني الذي يمنع إسرئيل المسكينة من التوغل في الأرض اللبنانية التي هي جزء من كيانها…!!

ثالثا: هذا الإعلان يبيح لإسرائيل كل أنواع الاعتداءات وجرف القرى وقتل الناس واستهداف المدنيين في كل بقعة من بقاع لبنان إذ ليس لإسرائيل علاقة بعملية وقف إطلاق النار هذه، وهذا من واضح بنص الاتفاق: وقف إطلاق النار مشروط بوقف كامل لإطلاق النار من جانب (حزب الله)

رابعا: هذا الإعلان الذي لا يجرم المعتدي والمحتل يعتبر الشعب اللبناني المقاوم حاليا تحت راية حزب الله اللبناني، والذي يمكن أن يقاوم مستقبلا تحت أي راية أخرى دفاعا عن قراه وأرضه السليبة… يعدُّه قوة يجب استبعادها عن أرضها؛ ما يعني أن للإسرائيلي الحق في هذه الأرض، وأنه هو صاحب هذه الأرض، وأن اللبناني المقاوم المتمثل اليوم بحزب الله اللبناني ليس له حق بهذه الأرض ولا بالمطالبة بها فضلا عن الطلب من الإسرائيلي الخروج منها أو وعد لبنان بإعادة إعمارها. وهذا النص يؤكد هذا المعنى المقصود بلغة الدبلوماسية:    

لبنان وإسرائيل اتفقا على وقف لإطلاق النار؛ وأعلن لبنان وإسرائيل موافقتهما على تجديد وقف إطلاق النار الهش، وإنشاء مناطق أمنية لبنانية يستبعد منها حزب الله

رابعا: إن إجبار لبنان على “إنشاء مناطق أمنية لبنانية يستبعد منها حزب الله” يتضمن:

  • إبعاد حزب الله وليس إبعاد إسرائيل بصفتها عدوا محتلا مجرما؛ ما يعني أن المشكلة هي في وجود حزب الله الذي هو مكوِّن لبناني من أبناء الأراضي اللبنانية المحتلة، وليس في الوجود والاحتلال الإسرائيلي
  • إبعاد حزب الله يعني غدا مطالبة الحكومة اللبنانية بمحاكمته بتهمة الخروج على القانون ومخالفة الاتفاقات الرسمية؛ أما المفاوض اللبناني فلن يستطيع – تحت الضغط الأميركي الإسرائيلي – رفض الأوامر؛ بحسب بنود الاتفاقية؛ بحجَّة تجنيب لبنان المزيد من الكوارث…
  • استبعاد كل حركة مقاومة مستقبلا سواء أكانت سنية أم شيعية أم درزية أم مسيحية أو وطنية جامعة، ومحاكمة كل من يفكر بمقاومة المحتل باسم القانون؛ وهذه المحاكمات التي يأمر بها العدو الصهيوني لن تكون كارثة بل عدالة وطنية…
  • مع كل التنازلات التي سيقدمها لبنان لن يكون الجيش اللبناني إلا العين الساهرة لمطالب إسرائيل على الأرض، وستراقب إسرائيل عمل الجهات اللبنانية من الجو عبر المسيرات وطائرات الاستطلاع، وستتمكن من قتل كل من لم تستطع قتله خلال الحرب من الناس الذين دافعوا عن أرضهم وقراهم، وقد تقضي على كل أسرة فقدت شهيدا أو فيها شاب ينتمي إلى المقاومة أو يتبنى فكرة المقاومة ومن الممكن أن يؤثر سلبا على مشروع إسرائيل؛ فقد جاء في إعلا ن الخارجية الأمريكية أن الطرفين “اتفقا على الإسراع في إنشاء مناطق تجريبية، تسيطر فيها القوات المسلحة اللبنانية بشكل حصري على الأرض، مع استبعاد جميع الأطراف غير الحكومية”.
  • المناطق التجريبية من شأنها السماح المباشر لإسرائيل باستهداف ومسح وتهديم وقتل كل ما تريد بلا حسيب أو رقيب، فإسرائيل التي لم تقم وزنا للقوى الدولية وقتلت عناصرها هل ستحترم الجيش اللبناني، وإسرائيل التي كانت تهدم المباني بحجة تواجد سلاح لحزب الله فيها وكان اللبناني يتواصل عبر الميكانيزم لتوقف إسرائيل عن غيها… وكثيرا ما كانت الميكانيزم تتواصل بإسرائيل لتبين لها أن المعلومات التي وصلتها خاطئة… ومع ذلك كانت إسرائيل تنفذ رغبتها في الهدم والقتل غير ملتزمة بكل الاتفاقات والمعاهدات…

عند فقدان دور الميكانيزم والقوى الدولية التي كانت شاهدا على جرائم إسرائيل اليومية: تدونها وتعدها، وعندا تصبح هذه القوى خارج المعادلة فإن الإسرائيلي لن يحترم كل البنود المعلنة وسيبتدع حججا ليصل إلى مآربه عبر قتل من يشعر أنه حجر عثرة في طريقه…

  • إن المناطق التجريبية تعني باختصار أن إسرائيل تريد قوة لبنانية تنوب عنها في حفظ أمنها وتسهيل مشاريعها التوسعية، والقبض على كل الذين شاركوا في الحرب عليها، وهكذا يؤول الجيش اللبناني القوة الضاربة على الأرض والعاملة وفاقا للأجندة والأوامر الإسرائيلية، مع الإشارة إلى أن مصير الجيش اللبناني والجنود اللبنانيين لن يكون بمنأى عن شهوة القتل وغريزة سفك الدم التي تحرك الإسرائيلي وتسيطر على عقله ومشاعره وأحاسيسه وعندما يتمكن المفاوض اللبناني من القيام بمهمته المنوطة به في القضاء على قوى المقاومة وسلاحها، ستنتهي التجربة التي سيعدها الإسرائيلي فاشلة، وهنا سينتهي دور الجيش اللبناني الذي سيكون مصيره كمصير المقاومين، وسيأتي دور إسرائيل من جديد، وستعاود العمل على قضم ما تستطيع قضمه من لبنان وسوريا تحقيقا لأحلامها في بناء دولة إسرائيل الكبرى. وهذا فحوى كلمات الإعلان التطبيقية التي جاء فيها: “اتفقا على الإسراع في إنشاء مناطق تجريبية، تسيطر فيها القوات المسلحة اللبنانية”
  • والأخطر من كل ذلك أن لبنان الرسمي يتفق مع إسرائيل – بحسب البنود المعلنة – على الوقوف ضد عدو واحد هو المقاومة التي ستواجه إسرائيل وأطماعها. وهذا ما أكدت عليه وزارة الدفاع الأميركي من “استمرار دعم الولايات المتحدة للحكومتين، اللبنانية والإسرائيلية، في ممارسة سيادتهما”؛ فمن الذي ينتهك السيادة؟ اللبناني الذي تقتله آلة الحرب الإسرائيلية الأميركية أم حزب الله اللبناني الذي يدافع عن اللبنانيين وأرضهم…؟!

خامسا: اعتبار المقاومة اللبنانية اليوم ومستقبلا قوة إرهابية خارجة على القانون يجب تجريدها من سلاحها اليوم، على أن يتم تجريمها ومحاكمتها غدا في محكمة لبنانية أو لبنانية أميركية أو لبنانية إسرائيلية مشتركة… لا يهم…؛ وفي ذلك تأكيد على مشروعية الاحتلال وعدم مشروعية أي مقاومة مع وجود أي عدوان أو احتلال إسرائيلي مستقبلا…

سادسا: استغرب الباحثون أن الوفدين الإسرائيلي واللبناني أدانا الهجمات الإيرانية على البلدان العربية، والتي تقول إيران في سرديتها: إنها كانت نتيجة عدوان أميركي من قبل العدو الأميركي على إيران انطلق من قواعد أميركية في تلك البلدان… المهم الذي يعني الباحثين أن الوفدين أدانا تلك الهجمات الإيرانية…لكن الوفد اللبناني على الأقل لم يُدِنْ اعتداءات إسرائيل اليومية والمجازر الجماعية اليومية والجرف اليومي وقضم الأراضي اليومي الذي تقوم به إسرائيل في لبنان منتهكة كل المواثيق والقوانين والأعراف الدولية… فهل يُتَصَوَّرُ القبول بمثل هذا التفاوض القائم على الاعتراف بإجرام العدو المدان دوليا وتنكر المفاوض اللبناني لبلده إلا في لغة الخيانة التي لا تعرف الولاء للأرض ولا للوطن…  

وهل يُتَصَوَّرُ أن يعتمد عاقل على اتفاقية بين هذا العدو المجرم المارق الخارج على القانون الدولي بدعم كامل له من المارق الأميركي الأكبر الذي يمثل اليوم دور حمامة السلام والوسيط الذي يريد السلام للبنان وهو الذي طالما تحدث عن ضرورة توسيع الكيان الصهيوني على حساب الدول المحيطة به؟!

ختاما:

إن اللغة التي صيغ بها هذا الإعلان والذي يروج له بعض الساسة على أنه سوف ينتشل لبنان من أزمة كبيرة وحرب ضروس لا يستطيع الشعب اللبناني تحملها، إنما يراد من ورائها أن يتنصل هؤلاء الساسة من مسؤولياتهم التي لم يقوموا بها تجاه هذه الحرب الضروس التي وقف المسؤولون أمامها صامتين وكأنها تتعلق ببلد إفريقي بعيد لا ترتبط بها جغرافيا ولا تاريخيا ولا وطنيا، فلم تتقدم الدولة اللبنانية بطلب اجتماع الأمم المتحدة ضد جرائم الحرب الإسرائيلية خلال كل فترات العدوان دون خجل، حتى إن فرنسا هي التي طالبت بعقد جلسة في مجلس الأمن.

كما أن الساسة هؤلاء يضعون المجتمع اللبناني – والطائفة الشيعية خصوصا – أمام خيارين واضحين ما بين صورة سوداء من العدوان الذي سيبيح الأميركي فيه للإسرائيلي كل أنواع القتل والإبادة الجماعية والتوغل الذي لن تتحرك الدولة إزاءه كسابق عهدها بالاعتداءات السابقة… أو بين القبول بفرصة الإذلال والخضوع والاستسلام الأخير والإعلان الخطير الذي بدا للقاصي والداني – ما عدا المفاوض اللبناني – أنه كُتب بعقل وبحبر وبقلم الجيش الإسرائيلي الذي يملي ما يريده على الزائر اللبناني للخارجية الأميركية الصهيونية