مش جاي جدو؟؟؟
بقلم الشيخ محمد اللبابيدي – الامين العام للمركز الاسلامي للاعلام والتوجيه
رغم قسوة الفقد ومرارة الغياب، يبقى الشهداء هم الشعلة التي لا تنطفئ، والنبراس الذي يهدي الأجيال درب الكرامة والعزة. فحين يرتقي الشهيد، لا تنتهي الحكاية، بل تبدأ فصول جديدة من الوفاء، تُكتب بقلوب الأحياء وإرادة من لم ينسَ، ومن أقسم أن يبقى على العهد.
إن نهج التضحية والفداء ليس مجرد ذكرى تُستعاد في المناسبات، بل هو مسار حياة، يتجدد مع كل جيل، ويترسخ في الوجدان كقيمة عليا لا يمكن التفريط بها. فالدماء التي سُفكت لم تكن عبثًا، بل كانت ثمنًا لكرامةٍ أرادها الشهداء لأمتهم، ورسالةً واضحة بأن الطريق، مهما اشتدّت صعوبته، لا يُترك ولا يُبدَّل.
الجيل الجديد، الذي نشأ على حكايات البطولة والتضحية، لم يعد مجرد شاهد على تلك التضحيات، بل أصبح امتدادًا حيًا لها. هو الجيل الذي يحمل الذاكرة، ويصونها من النسيان، ويرفض أن تتحول تضحيات الشهداء إلى مجرد صور أو كلمات عابرة. بل يجعل منها وقودًا للاستمرار، ودافعًا لمواصلة الطريق.
وفي هذا السياق، يبرز نموذج الطفولة البريئة التي تختصر المعنى كله. زهراء حفيدة الشهيد الإعلامي علي شعيب، بعفويتها الصادقة، حين سالت والدها في تأبين الشهداء الاعلاميين الذي اقامه اللقاء الوطني الإعلامي وقالت: “مش جاي جدو؟؟”، لم تكن مجرد طفلة تعبّر عن حزنها وفقدها لجدها وحبيبها التي كانت “دلوعته”، بل كانت مرآةً لوجعٍ أكبر، ورسالةً أعمق. تلك الكلمات القليلة تختزن حجم الفقد، لكنها في الوقت ذاته تُظهر حجم الارتباط، وتؤكد أن الشهيد لم يغب عن القلوب، ولن يُمحى من الذاكرة.
هذه البراءة التي تختلط بالوجع، تتحول مع الزمن إلى وعيٍ راسخ، وإلى إيمانٍ بأن ما قدّمه الجدّ لم يكن نهاية، بل بداية لطريقٍ سيكمله الأحفاد. فالأجيال لا تنسى، بل تبني على ما كان، وتُعيد إحياء المعنى في كل مرحلة.
وهكذا، يبقى التمسك بنهج التضحية والفداء عهدًا متجددًا، لا تكسره الخسارات، ولا تضعفه التحديات. فالشهداء، وإن غابوا بأجسادهم، حاضرون بأثرهم، ممتدون في ضمير الأمة، وفي خطوات كل من اختار أن يكمل الطريق.
إنها مسيرة لا تتوقف… لأن هناك دائمًا من يتذكر، ومن يؤمن، ومن يمضي.
واقول لزهراء الغالية طالما هنالك أمثالك يسأل دائماً عن جده وحينما يكبر سيربي ابنائه على حب هذا الجد الذي ضحى وقدم ويزور وأولاده قبر هذا الفارس ستبقى هذه المسيرة طويلاً ولن يستطيع أحد أن ينهيها الا إذا أنهى شعباً بأسره


