كيف نقرأ “طوفان الأقصى” بعد ثلاث سنوات؟
بقلم د. احمد عبد الهادي – ممثل حركة حماس في لبنان
بعد ثلاث سنوات على “طوفان الأقصى”، لم يعد ممكناً أن نقرأ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 كما قرأناه في يومه الأول. ثلاث سنوات كانت كافية لكي تتكشّف أبعادٌ كثيرة، ولكي تظهر نتائج لم تكن مرئية في لحظة الحدث، ولكي يدفع شعبنا، وخصوصاً أهلنا في غزة، أثماناً إنسانية ومادية هائلة، ولكي تتغيّر في المقابل أشياء كثيرة في فلسطين والمنطقة والعالم.
ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس سؤالاً عاطفياً أو افتراضياً عمّا كنّا سنفعله لو عاد الزمن؛ فهذا سؤال يبدو قاسياً أمام أمٍّ فقدت أبناءها، وأب فقد عائلته، وطفل عاش ثلاث سنوات بين الحرب والجوع والنزوح، وأمام شعب ما زال يحمل آثار واحدة من أقسى المراحل في تاريخه المعاصر.
السؤال الأكثر عدلاً وموضوعية هو: بعد مرور ثلاث سنوات على “الطوفان”، كيف نقرأه اليوم فلسطينياً، وأين موقعه من سياق الصراع مع الاحتلال. وماذا غيّر وعن ماذا كشف، وما النتائج الاستراتيجية التي أحدثها، أو الدروس التي ينبغي استخلاصها. والأهم، هو قراءة “الطوفان” في سياق تاريخي وسياسي أوسع يبدأ قبل السابع من أكتوبر ويمتدّ إلى ما بعده؟
الحكاية لم تبدأ مع “الطوفان”، فقبله كان هناك احتلال، واستيطان، وحصار على غزة، وتهويد في القدس، واعتداءات على المسجد الأقصى، وأسرى في السجون، وقتل واقتحامات يومية في الضفة، وشعب حُرم على مدى عقود من حقه في تقرير مصيره.
وقبله أيضاً كانت القضية الفلسطينية تتعرّض لعملية تهميش تدريجية تمهيداً لتصفيتها، فيما كان يجري العمل على بناء شرق أوسط يمكن أن تتقدّم فيه مسارات التطبيع وإعادة ترتيب المنطقة من دون حلّ القضية الفلسطينية.
والأخطر من ذلك أنّ حكومة العدوّ التي تشكّلت أواخر عام 2022 ضمّت أكثر القوى تطرّفاً في المشهد السياسي داخل الكيان. وبرز داخلها مشروع سياسي يقوم على الانتقال من إدارة الصراع إلى حسمه عبر: السيطرة على الأرض، وتسريع الاستيطان، وتقويض إمكانية قيام دولة فلسطينية، ودفع الفلسطيني إلى الاختيار بين الخضوع للسيادة الإسرائيلية أو الرحيل أو المواجهة.
في مواجهة هذا المسار وقع “الطوفان”، ما يعني أنّ السابع من أكتوبر شكّل انفجاراً كبيراً داخل صراع مُمتدّ، وردّاً مقاوِماً على مسار كان يتّجه نحو فرض وقائع نهائية على القضية الفلسطينية. وهذه مسألة مركزية في أي قراءة مُنصِفة لما حدث، كون سرديّة العدوّ تحاول منذ اليوم الأول أن تنتزع السابع من أكتوبر من التاريخ وتضعه وحده أمام العالم ثم تقول: من هنا بدأت الحكاية.
بعد ثلاث سنوات، ثمة نتيجة فكرية وسياسية ينبغي ألّا يسمح الفلسطيني بتكريس نقيضها: إذ لا يجوز أن يتحوّل حجم الثمن الذي دفعه شعبنا إلى أداة لإدانة أصل مقاومته للاحتلال.
ننظر إلى التضحيات الهائلة، خصوصاً في غزّة، بأقصى درجات الاحترام والألم والمسؤولية؛ لا بوصفها أرقاماً يمكن تجاوزها في حساب سياسي بارد، ولا بوصفها حجَّة لإدانة المقاومة، وإنما باعتبارها أمانة تفرض علينا أن نجعل مشروعنا الوطني أكثر قدرة على تحقيق أهدافه وحماية شعبه
هناك انقلاب في المفاهيم يُراد فرضه. وبدلاً من أن يكون الاحتلال هو المشكلة، تصبح مقاومته هي المشكلة. وبدلاً من مُساءلة المحتلّ عن احتلال الأرض، يُسأل الفلسطيني: لماذا قاومت، وبدلاً من تحميل مَن قصَفَ ودمّر وقتل وارتكب المجازر والإبادة، المسؤولية عمّا فعله، يجري قلب العلاقة السببية، ليصبح المقاوِم مسؤولاً عمّا قرَّر عدوّه أن يفعله بشعبه. وهذا منطق ينبغي رفضه بوضوح، إذ لا يمكن أن يصبح تفوُّق الاحتلال العسكري مبرّراً أخلاقياً أو سياسياً لاستمرار الاحتلال. لأن النتيجة المنطقية لذلك ستكون شديدة الخطورة: إذا كان المحتل أقوى منك وقادراً على إيقاع خسائر هائلة بك إذا قاومته، فإن واجبك أن تستسلم له. ولو حكم هذا المنطق التاريخ، لما تحرَّرت شعوب كثيرة من الاستعمار والاحتلال.
لقد دفعت الجزائر ثمناً بشرياً هائلاً في طريق استقلالها، حتى أصبحت “بلد المليون شهيد” جزءاً من ذاكرتها الوطنية. ودفعت فييتنام أثماناً هائلة في واحدة من أقسى حروب القرن العشرين، وعرفت غالبية تجارب التحرُّر الكبرى أثماناً بشرية ومادّية قاسية. وهذا ليس المقصود منه تمجيد الدم. كما لا يعني أنّ التضحيات هدفٌ في ذاتها. فالإنسان الفلسطيني ليس رقماً، وحياة الفلسطيني ليست أقلّ قيمة من حياة أي إنسان آخر. لكن الفرق كبير بين احترام التضحيات والعمل الدائم على تقليلها، وبين تحويل الخوف من التضحيات إلى قاعدة تقول للشعوب الواقعة تحت الاحتلال: لا تقاوموا.
فالتحرُّر له أثمان، وهذه حقيقة أثبتها التاريخ، لكن واجب حركات التحرُّر هو أن تجعل هذه الأثمان أقلّ ما يمكن، وأن تُحوِّلها إلى تراكُم يقرّب شعبها من الحرّية. ومن هنا يصبح السؤال بعد ثلاث سنوات أكثر نضجاً؛ لا أن نسأل: هل كان على الفلسطيني أن يقاوم؟ بل: كيف تصبح مقاومته أكثر قدرة على تحقيق أهدافها، وأكثر استعداداً، وأكثر إحاطة بموازين القوى والبيئة والمآلات، وأكثر قدرة على حماية شعبها؟
المراجعة ليست إدانة
وهنا يجب أن نميّز بين أمرين كثيراً ما يجري الخلط بينهما:
الأول، هو تحميل المقاومة مسؤولية جرائم الاحتلال، وهذا مرفوض.
أمّا الثاني، فهو مراجعة تجربة المقاومة واستخلاص الدروس منها، وهذا واجب. لأنه ليس هناك فعل استراتيجي كبير في التاريخ لا يخضع للمراجعة. ولا توجد حركة تحرّر جادَّة لا تقف بعد كل مرحلة أمام أسئلة مركزية: ماذا أصبنا، ماذا أخطأنا في تقديره، ماذا تعلّمنا عن عدوّنا، ماذا تعلّمنا عن أنفسنا، كيف نطوّر استعدادنا ونعزّز قدرة مجتمعنا على الصمود، كيف نبني شبكة سياسية وإقليمية ودولية أوسع، كيف نربط الفعل الميداني بالمشروع السياسي… وكيف نحقّق أكبر أثر ممكن مع تقليل قدرة العدوّ على إيقاع الخسائر بشعبنا إلى أقصى حدّ ممكن؟
هذه ليست أسئلة ضدّ المقاومة. بل هي من داخل المقاومة، ومن أجل تطويرها، ذلك أن الحق ثابت، بينما الأداة مُتغيّرة، كما أنّ الهدف ثابت، أمّا التوقيت فمُتغيّر. التحرُّر هو الغاية، أمّا أشكال المقاومة ومستوياتها وأدواتها فتخضع لموازين القوى والظروف وتقدير الموقف.
بعد ثلاث سنوات: ماذا غيّر «الطوفان»؟
وهنا ينبغي أن نخرج قليلاً من اللحظة الفلسطينية الداخلية، وأن ننظر إلى الصورة الأوسع. لأن المعارك الكبرى لا تُقاس فقط بما يحدث في الميدان، إذ تظهر نتائج سياسية، واستراتيجية، وقانونية، وإعلامية، ونفسية، ونتائج تتعلّق بصورة الأطراف وشرعيتها ووعي الشعوب. ومن هذه الزاوية أحدث “الطوفان”، وما تلاه من حرب، تحوُّلات يصعب إنكارها.
أوَّل هذه التحوُّلات أنّ القضية الفلسطينية عادت إلى قلب الاهتمام العالمي بعدما كان يجري دفعها تدريجياً إلى الهامش.
لأنّ قبل السابع من أكتوبر، كان هناك مَن يتعامل مع فلسطين باعتبارها ملفّاً يمكن احتواؤه، ومع الفلسطينيين باعتبارهم مشكلة أمنيّة يمكن إدارتها، ومع الشرق الأوسط باعتباره قابلاً لإعادة البناء من حولهم ومن دونهم. أمّا بعد “الطوفان”، فأصبح تجاوُز فلسطين أكثر صعوبة، وهي عادت إلى الشارع العالمي: في الجامعات والنقابات والإعلام وإلى البرلمانات والمحاكم الدولية. وحلّت مكانها في قلب النقاش السياسي والدبلوماسي العالمي، والنتيجة كانت بعودة السؤال الذي كان البعض يريد دفنه: ماذا سنفعل بالقضية الفلسطينية؟
“الطوفان” ومعركة السردية
لكنّ واحداً من أعمق التحوُّلات لم يقع في الجغرافيا، بل وقع في الوعي، إذ امتلك العدوّ لسنوات طويلة قدرة استثنائية على تقديم نفسه للعالم، عبر سردية تكاد تحتكر تعريف الصراع. بينما بقي الفلسطيني يظهر بوصفه “مشكلة أمنيّة”، لا شعباً له أرض وقضية وحقوق.
وبعد ثلاث سنوات، تعرَّض هذا الاحتكار لضربة عميقة، لأن الأجيال الجديدة حول العالم رأت فلسطين بطريقة مختلفة، وصار يجري التداول بكلمات تمّ تغييبها عن الخطاب العامّ، مثل: الاحتلال، الاستيطان، الحصار، التهجير، الدولة الفلسطينية وحق تقرير المصير. وأصبحت قطاعات واسعة من الأجيال الجديدة في الغرب تسأل عن أصل الصراع، لا عن آخر انفجار فيه فقط.
إسرائيل لم تعد هي نفسها
دخلت إسرائيل السابع من أكتوبر بصورة تغيّرت تماماً بعد ثلاث سنوات، وتعرّضت صورتها الدولية لضربة كبيرة، واتَّسعت الانتقادات لسلوكها وسياساتها، وازداد حضور القضية الفلسطينية في المؤسسات الدولية. وتنامت حركة التضامن مع الفلسطينيين، كما تقدّمت خطواتُ الاعتراف الدولي بدولة فلسطين. والأهمّ أنّ جزءاً مهمّاً من الرأي العامّ العالمي بدأ ينظر إلى الصراع من خلال سؤال الحقوق الفلسطينية، لا من خلال المنظور الأمني الإسرائيلي وحده.
كل ذلك، لا يعني أنّ ميزان القوى انقلب، ولا أنّ “إسرائيل” فقدت دعم حلفائها، ولا أنّ الرواية الفلسطينية انتصرت نهائياً. لكنّ شيئاً استراتيجياً حدث: لقد فقدت إسرائيل جزءاً مهمّاً من قدرتها على احتكار تعريف الصراع أمام العالم. وهذا مكسب طويل المدى للقضية الفلسطينية إذا عرف الفلسطينيون كيف يبنون عليه.
ومن أخطاء قراءة الأحداث التاريخية الكبرى أننا نريد معرفة نتيجتها النهائية وهي لا تزال جارية. لكنّ التحوُّلات الاستراتيجية تعمل بطريقة مختلفة، فبعض نتائجها يظهر فوراً بل يحتاج إلى سنوات، وبعضها لا يظهر إلا عندما تتراكم تحوُّلات صغيرة حتى تنتج واقعاً جديداً.
ولذلك، فإنّ السؤال بعد ثلاث سنوات ليس هل تحرّرت فلسطين، بل أين أصبحت القضية الفلسطينية الآن. وجوابه لمصلحة فلسطين التي باتت أكثر حضوراً في الوعي العالمي، والرواية الفلسطينية أكثر انتشاراً. بينما صارت إسرائيل أكثر تعرُّضاً للمُساءلة، وعادت قضية الاحتلال والاستيطان إلى صدارة النقاش. وأصبح التضامن الشعبي العالمي مع الفلسطينيين ظاهرة سياسية واجتماعية يصعب تجاهلها.
ما ينبغي أن نتعلّمه
في الذكرى الثالثة، لا ينبغي أن تتحوّل إلى مناسبة للاحتفال المُجرَّد، ولا إلى مناسبة لجلد الذات، بل، ينبغي أن تكون مناسبة للفهم، ما يعني أن نجيد قراءة ما جرى بكل أبعاده، وأن نثبُت على حقّنا في مقاومة الاحتلال، وأن نحمي الرواية الفلسطينية من محاولة قلب المعتدي إلى ضحية والضحية إلى مُتَّهم، كما نحفظ تضحيات شعبنا من أن تتحوّل إلى مجرّد أرقام في التاريخ.
الدرس الأهمّ، هو أن لا نتخلّى عن المقاومة، بل أن تصبح المقاومة أكثر استراتيجية، وأكثر قدرة على قراءة العدوّ واستعداداً لردوده، وأكثر قدرة على تحويل كل إنجاز إلى تراكم سياسي واستراتيجي في مسار التحرُّر. وأن يكون هناك تكامل بين الميدان والسياسة.
بهذا المعنى، نقرأ “الطوفان” باعتباره فعلاً مقاوِماً كبيراً جاء في مواجهة احتلال ومشروع كان يتقدّم باتجاه حسم القضية الفلسطينية وفرض وقائع نهائية على الأرض. وننظر إلى التضحيات الهائلة، خصوصاً في غزة، بأقصى درجات الاحترام والألم والمسؤولية؛ لا بوصفها أرقاماً يمكن تجاوزها في حساب سياسي بارد، ولا بوصفها حجَّة لإدانة المقاومة، وإنما باعتبارها أمانة تفرض علينا أن نجعل مشروعنا الوطني أكثر قدرة على تحقيق أهدافه وحماية شعبه.
بعد ثلاث سنوات، ربما يريد الاحتلال أن تكون الخلاصة الفلسطينية من كل هذا الألم بسيطة: لقد قاومتم، فانظروا ماذا حدث لكم؛ فلا تقاوموا مرة أخرى. وهذه أخطر نتيجة يمكن أن نسمح له بتحقيقها. فالدرس ليس أن الفلسطيني أخطأ لأنه قاوم، بل إن الفلسطيني يحتاج، في مسيرته الطويلة، أن يصبح أكثر قوة، وأكثر استعداداً، وأكثر وحدة، وأكثر إحكاماً لاستراتيجيّته، وأكثر قدرة على حماية شعبه وتحويل تضحياته إلى إنجازات مُتراكِمة على طريق الحرّية.
وبعد ثلاث سنوات على “الطوفان”، وبين كلّ الدم والدمار والتحوُّلات التي شهدناها، تبقى الحقيقة التي سبقت السابع من أكتوبر وما زالت قائمة بعده: هناك شعب له أرض وحقوق وقضية، وهناك احتلال يحول بينه وبين حرّيته. وما دام أصل المشكلة قائماً، ستبقى مقاومته حاضرة بأشكالها المختلفة.
أمّا مسؤولية الفلسطيني، وهو ينظر إلى المستقبل، فهي ألّا يكتفي بالصمود والمقاومة، بل أن يحوِّلهما إلى استراتيجية وطنية متكاملة: تعرف هدفها، وتختار أدواتها، وتقرأ لحظتها، وتحمي شعبها، وتراكم عناصر القوّة، وتعرف كيف تنتقل من معركة إلى أخرى من دون أن تفقد البوصلة.
والبوصلة، بعد كل شيء، لم تكن يوماً الحرب من أجل الحرب، بل كانت، وستبقى: فلسطين حرّة، وشعباً حُرّاً، على أرضه، يُقرِّر مصيره بنفسه.


