الثورة الإيرانية.. لماذا تُستهدف المرجعيات الدينية تحت غطاء الصراع السياسي؟
كتب حسن السعدني
شهدت الساحة الإيرانية مؤخراً تحركات احتجاجية انطلقت من دوافع اجتماعية واقتصادية، في ظل ضغوط معيشية متراكمة وأزمة خانقة تفاقمت جراء العقوبات الدولية الممتدة، وهي تحركات، في جوهرها، تقع ضمن الإطار المألوف للمطالب الشعبية التي تشهدها دول المنطقة، وتعبر عن تطلعات مشروعة لا يمكن إغفال أسبابها أو تجاوز مشروعية المطالبة بتحسين الأوضاع.
غير أن هذا المسار شهد انحرافاً مثيراً للقلق مع محاولات أطراف خارجية تسييس هذه الاحتجاجات وتوظيفها في سياقات جيوسياسية، فبينما بادر قادة دوليين إلى إعلان دعمهم للمحتجين، تجاوزت بعض التصريحات — لاسيما تصريحات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب — حدود المواقف السياسية التقليدية، لتصل إلى حد التحريض المباشر على السيطرة على المؤسسات، وهو سلوك يمثل مساساً بمبدأ سيادة الدول، وانتهاكاً للأعراف التي تقضي بعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
ومع تصاعد التوتر، جنحت بعض التحركات نحو أعمال عنف وتخريب شملت اعتداءات على الممتلكات العامة ودور العبادة، مما كشف عن محاولات لاختراق المطالب الشعبية وتحويلها إلى أداة لخدمة أجندات تصادمية، وفي المقابل، جاءت ردود الفعل الدولية المتشنجة لترفع من سقف المخاطر، خاصة مع انتقال الخطاب من النقد السياسي إلى التهديد الشخصي والمباشر باستهداف الرموز والمرجعيات.
إن تهديد اغتيال مرجع ديني بحجم آية الله علي خامنئي، بما يمثله من مكانة روحية وعلمية لدى قطاع واسع من المسلمين، يمثل سابقة خطيرة تتجاوز حدود الخلاف السياسي لتصطدم بمنطق القوة العارية والإبادة، كما إن الصمت على استباحة دماء العلماء أو التهديد بتصفية المرجعيات الدينية يفتح باباً للفوضى لن يسلم منه أحد، وقد ينسحب غداً على أي رمز ديني أو وطني في عالمنا العربي والإسلامي.
من هنا، تبرز الحاجة إلى موقف متوازن ومسؤول من القوى الإقليمية والمؤسسات الدينية الكبرى، غير أن الدولة المصرية، بثقلها التاريخي ودورها الريادي في حفظ استقرار المنطقة، تعمل دوماً لتعزيز خطاب العقل واحترام سيادة الدول، كما تقع على عاتق المؤسسات الدينية العريقة، وفي مقدمتها الأزهر الشريف، مسؤولية مبدئية في التفرقة بين الخلاف السياسي وبين استهداف الرموز الدينية.
إن المأمول من المؤسسات الدينية الإسلامية ليس الانخراط في الاصطفافات السياسية، بل إعلاء كلمة الحق في وجه خطاب العنف والتهديد بالاغتيال، وإدانة التهديد الموجه لمرجعية دينية كبرى هو دفاع عن “حرمة الرمز الديني” كقيمة مطلقة، وهو تأكيد على أن الخلاف المذهبي أو السياسي لا يسوغ أبداً شرعنة الإبادة أو الاغتيال.
الشاهد من ذلك، أن وحدة الأمة الإسلامية وصيانة أمنها القومي تبدأ من رفض تحويل المرجعيات الدينية إلى أهداف في صراعات القوى الدولية، وحماية الدماء من منطق الانتقام الذي لا يورث إلا الخراب.


